محمد الغزالي

441

فقه السيرة ( الغزالي )

والصورة التي قد ترتسم بادئ الأمر لرجل عنده نساء أنه مغمور بالسعادة المادية ، يقوم بيته على الموائد الحافلة باللحوم والفواكه ، ويرتوي من الأشربة التي تسري في أوصاله بالنشوة ، ثم يتقلب يبن أحضان البيضاوات والشقراوات ، ويصبح يستقبل الدنيا بعد ذلك خالي البال ! ! . وقد تكون هذه الصورة مساوية أو مقاربة لما يدور في قصور الملوك ، لكن حذار أن تسفّه نفسك فتحسب شية من هذا العيش الرخيّ في بيوت محمد بن عبد اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه . انتقل على عجل إلى لون اخر من الحياة الخشنة ؛ لترى فيه رجلا تعلقت همته بالحق واحده ، فهو ينتعش بمعرفته ، ويجتهد لجمع الناس عليه ، وقرة عينه في خطوة تقربه من غايته شبرا ، أما أهواء الدنيا فهي تحت قدميه ودبر أذنيه . إذا استطاعت قذائف المدافع على ظهر الأرض أن تبلغ النجوم البعيدة ، ما استطاعت مغريات الحياة أن تقترب من قلب محمد الزكي النقي صلى اللّه عليه وسلم . ذاك إنسان اصطفته العناية ؛ فهو يحلّق في مدى اخر يقول فيه : « ما لي وللدّنيا ؟ ! إنّما أنا كرجل قال « 1 » تحت ظلّ الشّجرة ثمّ راح وتركها » « 2 » . يربط همم البشر بالمثل العليا ، وما تصير إليه عند اللّه ، فيقول : « موضع سوط في الجنّة خير من الدّنيا وما فيها ، ولغدوة في سبيل اللّه أو روحة خير من الدنيا وما فيها » « 3 » . وحياته مع زوجاته نهج من الشظف لا يطيقه أحد . روى البخاري عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : ما أعلم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم رأى رغيفا مرقّقا حتى لحق باللّه ، ولا رأى شاة سميطا بعينه قطّ ! ! .

--> ( 1 ) قال : من القيلولة : وهي شدة حر الشمس في الظهيرة . ( 2 ) صحيح ، أخرجه الترمذي : 3 / 278 ؛ وصحّحه ابن ماجة : 2 / 525 - 526 ؛ والحاكم : 4 / 310 ، وأحمد ، رقم ( 3709 ، 4208 ) عن ابن مسعود ، وله شاهد عن ابن عباس ، رواه أحمد ( 2744 ) وإسناده حسن ، وصحّحه الحاكم على شرط البخاري ومسلم ؛ ووافقه الذهبي . ( 3 ) صحيح أخرجه البخاري : 11 / 194 ، بتمامه ؛ ومسلم : 6 / 35 ، بالشطر الثاني عن سهل بن سعد .